الحارث المحاسبي

32

المسائل

فأفضل الأعمال لكل أهل زمان ما كانت عليه الأوائل من تعليم السنن ، والعطف على أهل العدم ، لأنّ اللّه الغنيّ الحميد لا ينتفع بطاعة ، ولا تضره معصية ، وإنما أمرك بطاعته لينفعك ، فأحب الأشياء إليه من طاعته ما عاد نفعه على غيرك . والنفع ضروب : فإذا كان عالما ممن قصر نفسه على العلم ، وليس يخلفه أحد في مكانه فأفضل الأشياء له أن يدخل المرفق بعلمه على من لا يعلمه ، وتحسن نيته فيه . وآخر ليس مقامه مقام عالم ، فالعالم يكفيه حاجته من العلم ، فأفضل الأشياء له مواساة أهل الحاجة ، والبذل لهم ، فيخلف للأرامل قوامهن ، وللأيتام أباهم ، ويبذل الحيلة في ذلك ، وهي أشد مقام في العبادة ، وأشد العبادة مذلة ، إذ يكون قد أعطى نفسه الذل للّه عز وجل ، واحتاجوا إليه ، فهو عزيز باللّه إذ صاروا لنفعه منتظرين ، وذليل إذ بذل نفسه لما به ينتفعون . وأفضل الخلق للناس رجل قصر نفسه على العلم ، وآخر بذل نفسه لمؤونة الناس ، مؤونة عالم رعى المتعلمين ، وساع بذل نفسه للمساكين . فعلى العالم في علمه التواضع لمن انقطع إليه ، وحسن العطف عليه ، وشدة العمل بما يأمر به ، وإيثاره أصحابه على نفسه ، وليس يحمل به أن يكتسي وهم يعرون ، ويشبع وهم يجوعون . وعليه أن يتعاهد من أمورهم ما يضيعون ، فيخلف من نأى منهم في عياله ، ويواسيهم بماله ، وعليه في تأديبه لهم أن يظهر حسنهم ليزدادوا ، ويكتم خطأهم لئلا ينقطعوا ، ويتلمس من كل إنسان مذهبه . فيحسن مداراتهم ، ولا يترفع عنهم ، فإنّ ذلك من العالم قبيح ، ولا يكثر المعاتبة فإنها تحمل على اللجاجة « 1 » ، ولا يلح على واحد دون الآخر بإقبال ، فإنه مما يصرف عنه قلوب الرجال ، ولكن ليقسم بينهم النظر ، ليكونوا عليه أقبل . وعلى المتعلمين في مشاهدة المعلمين وفي غيبتهم شدة التعظيم في الغيبة ، والأدب في المشاهدة ، فمن الأدب في مشاهدة العالم سكون الجوارح عنده ، وحسن الاستماع إليه ، وقلة الالتفات بين يديه ، وإظهار السرور عند حديثه ، وأن يكتم ما يرى من شينه « 2 » ، وأن يظهر المبالغة فيما يوافقه ، ولا يلاججه فيما يخالفه .

--> ( 1 ) اللّجاجة : الإلحاح والعناد في الخصومة والتمادي فيها . ( 2 ) الشّين : العيب والقبح .